د. أحمد الجميعـة

تباينت ردود الفعل المؤيدة والرافضة لقرار الرئيس ترمب بعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران -بعد إسقاط طهران لطائرة أميركية من دون طيار في المياه الإقليمية للخليج العربي-، ولكنها متفقة على أنها فرصة للجانب الأميركي لتبرير فرض المزيد من العقوبات، ومواصلة الضغط للحد من الخطر الإيراني المهدد للسلم الدولي، إلى جانب –وهذا أمر مهم- تفويت الفرصة على النظام الإيراني من استغلال الضربة العسكرية لتقوية علاقته المأزومة بشعبه، واستغلالها في أي مزايدات دعائية لشعار «الموت لأميركا».

تبريرات الرئيس الأميركي بعدم الضربة العسكرية كان فيها الخطاب موجهاً إلى الشعب الإيراني وليس النظام، حيث بدا واضحاً التعامل إنسانياً مع الضحايا المحتملين من تلك الضربة، وهو ما ترك انطباعاً إيجابياً مهماً من أن هناك حالة اعتبار للشعب الإيراني المغلوب على أمره مقارنة بنظامه الذي يريد أن يأخذه إلى المحرقة والموت، ثم أيضاً تبرير الطائرة غير المأهولة والقائد الميداني الذي أقدم على خطوة انفرادية بمهاجمة الطائرة؛ كلها رسائل تصب من أن هناك حالة التزام أخلاقي في تقييم الضرر، وعدم تعميمه حتى لا يطال الشعب الإيراني أذى مباشراً من أي تصعيد عسكري مع نظامه.

ما ذكره الرئيس ترمب هنا؛ يمكن أن نقبله في سياق أجندات المرحلة الرابعة من سيناريو الأزمة، وهي مرحلة الحوار مع إيران -سبقها مراحل الانسحاب النووي، وفرض العقوبات، وحشد الرأي العام الدولي ضد سلوك طهران-، كما نتفهم موقف الرئيس الأميركي وقراءة توجهات المحيطين به في تقييم الضرر، والموازنة بين الأصغر والأكبر منه، ولكن في كل الأحوال لا نتوقف عند تعليق مصير الضربة العسكرية تأجيلاً أو إلغاءً، وإنما يجب أن تمهد واشنطن وحلفاؤها لمرحلة جديدة من الصراع، وهي (المرحلة الخامسة) التي نطلق عليها مواجهة وكلاء إيران في المنطقة، وأكد عليها بريان هوك المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإيرانية بعد لقائه قبل أيام سمو نائب وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان؛ بضرورة مواجهة هؤلاء الوكلاء –من دون أن يسميهم-، وهذا التصريح يدعم وجهة النظر التي ترى أن أي تصعيد عسكري مع إيران يجب أن يبدأ بتقطيع أوصال هؤلاء الوكلاء، وعلى رأسهم حزب الله والحشد والحوثي.

مهم جداً أن يعي العالم اليوم أن الصراع في منطقة الشرق الأوسط لم يعد بين إيران ووكلائها وبين المملكة وحلفائها، وإنما أصبح في الواقع صراعاً دولياً بعد أن أسقطت إيران طائرة أميركية، واعتدت على ناقلة النفط اليابانبة، ومارست التهديد الإرهابي في أكثر من مكان، وهددت معه سلامة الملاحة البحرية، وضمان وصول إمدادات النفط، وهذا يستدعي التفكير في إزالة النظام الإيراني من الوجود، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية محدودة على منصات صواريخه أو شبكة راداراته؛ لأن ما يمارسه نظام الملالي أخطر من ذلك بكثير.

الرئيس الأميركي لا يريد أن يخوض حرباً مع إيران، ولا يريد أن ينجر خلفها تجاه مستنقع الكارثة -التي سماها-، ويرى خيار العقوبات أنجع في الوصول إلى الهدف بأقل الخسائر؛ فهو مؤمن أن الدولة الوحيدة التي تريد الحرب هي إيران، ولكن مع كل ذلك لن تكون العقوبات كافية ومفعولها سريع من دون أن تخسر إيران وكلاءها على الأرض، فلا يمكن أن تنهزم إيران اقتصادياً إلا إذا شعرت أن مددها الإرهابي خارج نظام التشغيل التلقائي أو المدعوم؛ فلو تأملنا فقط في تصريح إيران الأخير حول «إيقاف تصدير النفط الإيراني يعني إيقاف تصدير النفط من جميع دول المنطقة»؛ لوجدنا أن إيران لا تزال تناور في مسرح العمليات وحدها، وتوجه وكلاءها للهجوم على ناقلات النفط وهذا ما حصل، رغم أن العقوبات القاسية عليها مستمرة، ويعني ذلك باختصار أن العقوبات الاقتصادية لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون أن تتوقف ماكينة الإرهاب المأجورة من قبلها في أكثر من بلد عربي.