بقلم – د. أحمد الجميعة :

توقفت معظم الدراسات الإعلامية على أن الجمهور نشط وفاعل، ويحظى بمكانة في العملية الاتصالية الحديثة، ولكن لم تفصح تلك الدراسات عن أهم العوامل التي يستمد منها الجمهور مكانته وسلطته؛ فهل يستمدها اليوم من توفر الوسيلة التقنية التفاعلية بين يديه، أم من حقه في الاتصال، أم من تنامي ممارسته المهنية في البحث عن المعلومات وتوثيقها ونشرها وتقييم رجع الصدى لها، أم من هذه العوامل مجتمعة؟، ثم ما هو الأكثر تأثيراً من بين تلك العوامل؟

تعليقات الجمهور في شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية لا تقل أهمية عن المعلومات نفسها المثارة في الخبر أو مواد معالجة الحدث، حيث تحمل معلومات وتوجهات لا يمكن تجاهلها، أو التقليل منها، وتمثّل وعياً معرفياً في التعبير عن الرأي بمسؤولية، وصولاً إلى مشاركة مع الآخر في بناء المواقف، وتعزيز مكانة الدفاع عنها بحجة العقل والمنطق من دون مزايدات أو مساومات رخيصة.

مثال مهم يستحق الدراسة، وهو تعليقات الجمهور على قرار الرئيس ترمب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وما وصلت إليه من نقاش حاد ومأزوم ومحتقن بين الشعوب العربية، ووصل إلى درجة التخوين وتوزيع الشتائم على القريب والبعيد، ومارست معه أجندات جماعة الإخوان الإرهابية اختراقاً كعادتها في الحضور مع الأزمات التي تقتات منها، وحمّلت دولاً على خلاف معها مثل السعودية ومصر والإمارات مسؤولية القرار كما تدعي.

اللافت أن تعليقات السعوديين -كعينة من تلك الجماهير- كانت واعية إلى درجة كبيرة وغير مسبوقة في التعاطي مع القرار الأميركي؛ فهي أولاً كانت ملتزمة بموقف قيادتها الرافض للقرار غير المسؤول والمنحاز لإسرائيل، والتأكيد على المواقف التاريخية الثابتة في دعم القضية الفلسطينية، وثانياً في الرد على كل من يحاول أن يجرّ السعوديين إلى انتفاضة أو مسيرات أو تصنيفات نتيجة القرار وتداعياته.

آلاف المعرّفات والحسابات المشبوهة تعمل ليل نهار على تحريك السعوديين، واستنطاق ردة فعلهم تجاه القرار، حيث كان الخطاب الرقمي يرتكز على البعد الإسلامي من أن المملكة قلب المسلمين وحامية لمقدساتهم ويجب أن تتصدى للقرار، وأن يهب الشعب السعودي للمواجهة.

الرد الشعبي السعودي كان مثقلاً بالوعي السياسي والوطني في شبكات التواصل الاجتماعي، فكان الجواب على كل من يتحدث عن ذلك التهور المشحون بالعاطفة الدينية: (أنتم في فلسطين جاهدوا ودافعوا عن وطنكم، وأنتم يا عرب الشمال أقرب منّا إلى القدس فتقدموا الصفوف، وأنتم يا عثمانيون لكم السوابق لاستعادة التاريخ، وأنتم أيها الفرس لا تخذلوا الشعب الفلسطيني المظلوم كما هي عقيدتكم).

الردود السعودية مستمرة، ولكن أجملها حين كانت الحسابات القطرية تنادي بتثوير الشعوب العربية على حكامها المتخاذلين بعد أزمة قرار نقل السفارة؛ فجاء الرد بنشر صور حمد بن خليفة وحمد بن جاسم مع رموز الكيان الصهيوني، وقال الرد: “دعونا نثور هنا أولاً، ولعنة الله على المتخاذلين”!..