د. فهد الماجد
حاورت جريدة الشرق الأوسط الأحد الماضي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود -أيده الله- حواراً سياسياً امتاز بالشمول وبالصراحة والوضوح، وليس ذلك غريباً فدائماً حوارات سموه تتميز بذلك.

وقد كان حواراً ثرياً جداً ومركزاً كذلك، ويصعب أن أعلق عليه كله، ولا شك أن كثيراً من المتابعين والمهتمين وباختلاف اهتماماتهم تناولوا التعليق عليه، كل بحسب اهتمامه ومن الزاوية التي تشده.

وفي هذا المقال المختصر أركز على نقطة شدتني كثيراً، وإن كانت غير مستغربة، لكنها فعلاً تدعو إلى الفخر بسمو ولي العهد، وتؤكد ما يتميز به قادتنا منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله- وإلى عهد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز -أيده الله- من حكمة وثقل وحصافة وشعور بالمسؤولية وإحساس بقدْر المملكة ومكانتها الإسلامية باعتبارها حاضنة لقبلة المسلمين.

هذه النقطة عندما سأل محاور سموه سؤالاً صريحاً قائلاً: تصاعدت في الفترة الأخيرة وتيرة تصريحات الرئيس التركي وغيره من المسؤولين الأتراك التي تشكك في القضاء بالمملكة وتتهم المملكة وقيادتها في قضية خاشقجي، كيف تردون على هذه الاتهامات؟ تلاحظ أن السؤال صريح فذكرت الصحيفة الرئيس التركي بوضوح الذي مارس أدواراً سيئة في القضية وافتقد حتى للحنكة السياسية.

وعندما قرأت جواب سموه أخذت أردِّد قول زهير بن أبي سلمى في مدحه لهرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث ابن عوف بن أبي حارثة اللذين شُهرا بالكرم والشرف، فقد قال فيهما بعد أن عدَّد ما يتصفان به:

فما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل

وهل ينبت الخطىّ إلا وشجه وتغرس إلا في منابتها النخل

والمعنى: “إن الرماح المشهورة بالجودة، لا تتخذ إلا من شجرها الأصيل، ولا ينبت النخل إلا في المواطن الصالحة لإنمائه، والمراد: إن الكريم لا يأتي إلا من عنصر كريم”؛ وهكذا إذا قرأت جواب سموه عرفت فعلاً أنه غير مستغرب، وهو من هو في آبائه وأجداده الملوك والأئمة لهذه البلاد الطاهرة.

الآن اقرأ الجواب وقارن بينه وبين تصريحات أولئك:

“جمال خاشقجي هو مواطن سعودي، ولا شك أن ما تعرض له أمر مؤلم ومؤسف، ولقد اتخذنا في المملكة الإجراءات كافة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، وتمت إحالة المتهمين إلى القضاء، والقضاء في المملكة سلطة مستقلة ليس لأحد التدخل فيها، ونحن نواجه أي حدث بحزم ومن دون تردد، وباتخاذ الخطوات الكفيلة بتحقـيق العـدالة وإصلاح مكامن الخلل ومنع تكرار الأخطاء من دون أن نلتفت لأي مزاعم واتهامات من هنا وهناك؛ وفيما يتعلق بتصريحات بعض المسؤولين الأتراك تجاه المملكة، فالمملكة بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين تسعى لأن تكون علاقاتها قوية مع كل الدول الإسلامية، بما فيها تركيا؛ وهذا أمر مهم لمصلحة المنطقة بشكل عام والعمل الإسلامي المشترك بشكل خاص، ونحن في المملكة نعمل على خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما وتحقيق أمن واستقرار وطننا ورخاء شعبنا، وليس الدخول في مناكفات تضر مصالح وطننا والعالم الإسلامي، ونحن ماضون في تحقيق هذه الأهداف من دون التفات لما يصدر من البعض لأسبابهم الداخلية التي لا تخفى”.

ماذا تلاحظ في هذا الجواب؟

أولاً : تجاوز سموه المستوى الشخصي تماماً، وتحدث من منطلق الثقل الديني والسياسي للمملكة.

ثانياً: ومع ذلك أرسل رسائل تؤدي الغرض دون أي إسفاف أو مناكفات لا تجدي نفعاً حول أسباب طريقة تعامل الإعلام التركي وقيادته السياسية مع هذه القضية.

ثالثاً: بقدر ما كان في الجواب من الحصافة والاتزان والعقل؛ بقدر ما كان فيه من الذكاء والحنكة.. لقد كان – فعلاً – جواباً حكيماً وثقيلاً، وأقولها بصدق كمواطن سعودي وعربي ومسلم: حق لنا أن نفخر بسموه الكريم حرسه الله وأيده، وقواه وسدَّده.