تعاملت المملكة مع إيران -بعد الاعتداء على سفارتها في طهران وقنصليتها في مشهد وقطع العلاقات في يناير 2016- باعتبارها ثورة وليست دولة، رغم النداءات المتكررة بأن تتوقف إيران عن تصدير مشروعها الطائفي الثوري، والتدخل في شؤون الآخرين، وتحريك عملائها في لبنان والعراق وسورية واليمن لنشر الفوضى والإرهاب مدعوماً بالمال القطري المشبوه، ولكن لم يكن هناك رغبة إيرانية للتوقف، أو الانصياع لقرارات دولية وأممية، بل على العكس كان التهديد مستمراً، والتصعيد في أكثر من محور عربي للنيل من المملكة وتهديد مصالحها.

حلفاء المملكة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية على يقين تام من أن تهديد أمن واستقرار المملكة هو تهديد لمصالح العالم، وبالتالي لا يمكن أن تسمح للسلم العالمي أن يهتز، أو يتضرر، أو يتم استنزافه عبر وكلاء مأجورين، كما أن حلفاء المملكة يدركون أن السعودية ليست الوحيدة التي تواجه السلوك الإيراني في المنطقة، بل هناك قوى إقليمية ودولية تشاركها هذا التوجه، وتحديداً بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.

التصعيد الأميركي العسكري تجاه إيران من وصول حاملات طائرات وقاذفات وبطاريات باتريوت وعتاد وجنود، ثم طلب الحكومة الأميركية من المملكة ودول خليجية إعادة انتشار قواتها العسكرية في مياه الخليج؛ يؤكد على أن إيران لن تستطيع مقاومة استراتيجية أميركا وحلفائها التي تستهدفها، وستضطر للاستسلام والخضوع في نهاية المطاف، كما أن النظام الإيراني لن يكون خياره التصعيد العسكري في ظل الفوارق الهائلة في قدرات التسلح التقليدية بين القوات الجوية والبحرية والقدرات الصاروخية للجيشين الأميركي والإيراني.

حرب اقتصادية أخرى تواجه نظام الملالي في إيران، وتركت ولا تزال مؤشراً على قرب انهياره، حيث لا يمكن أن يكون الصبر بلا حدود شعبية أو حكومية تتوقف معها حالة التصعيد السياسي والإعلامي للاستهلاك الشعبوي في الداخل، ومواجهة الحقيقة من أن إيران أمام كارثة اقتصادية يصعب الخروج منها، وعقوبات أميركية جادة لا تقبل التراجع، أو المساومة حولها، أو حتى المزايدة عليها، وهنا ستضطر إيران للانحناء للعاصفة التي هبّت من كل جانب، فلا تستطيع المواجهة العسكرية أمام خصوم يفوقونها بمراحل، وكذلك لن تستطيع مواجهة الانهيار الاقتصادي الداخلي بفعل العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة تاريخياً.

خضوع النظام الإيراني للضغوط الأميركية ليس أكثر من مسألة وقت، فإيران تدرك أنها ستكون الخاسر الأكبر من أي حرب تندلع، ومهما هددت بإغلاق مضيق هرمز فلن تستطيع، والشواهد على ذلك كثيرة، حيث لم تصدق إيران في تهديداتها ولا مرة واحدة، وهذا دليل على عدم قدرتها على تنفيذ أي منها، أو بالأصح لا يمكن أن تجرؤ على فعل ذلك، ويبقى أمامها خيارات محدودة وضئيلة للنفاذ بجلدها، وهي الخضوع للمطالب الأميركية والدولية العادلة فيما يخص برنامجها النووي أولاً، ووقف تدخلاتها في شؤون الدول الأخرى ثانياً، وتمويل الإرهاب ثالثاً، والهدف من كل ذلك أن تعود إيران الدولة ويتوقف مشروع الثورة فوراً.

إيران مخيّرة في الأيام المقبلة ما بين تغيير سلوكياتها العدوانية، أو حدوث كارثة اقتصادية مقبلة لا محالة، أو مواجهة حرب محتملة، وكل الخيارات متاحة، وقريبة، ومتسارعة، ومتداخلة في استراتيجياتها، وهو ما يجعل العقوبات الأميركية الجديدة ضد إيران مستمرة إلى حين خضوعها، وقبولها باتفاق جديد يناسب واشنطن وحلفاءها ويقطع طريق طهران نهائياً نحو صنع أسلحة نووية.

الملالي يدركون اليوم أن نظامهم الفاشي على مدى أربعة عقود في اختبار حقيقي للسقوط، أو البقاء بنظام تشغيل الدولة التي تتوقف عند حدودها، ولا تتدخل في شؤون الآخرين، أو ترعى المأجورين لنشر الإرهاب، وسيكون الحوار معهم على هذا الأساس، ولن ينجو من الهزيمة في كل الظروف، حيث سيكون النظام أمام شعبه ليس إلا دعاية انتهت في زمن الحقيقة.